لم يعد انهيار القطاع العام في لبنان نتيجة ظرفٍ مالي طارئ، بل حصيلة خيار سياسي واعٍ، شاركت فيه السلطة التنفيذية والتشريعية معًا، وأدارته الحكومات المتعاقبة كأداة زبائنية لا كمؤسسة دولة. فالإدارة العامة لم تُهمل صدفة، بل جرى تفريغها تدريجيًا من دورها، وإخضاعها لمنطق المحاصصة، حتى باتت عاجزة عن أداء أبسط وظائفها.
الحديث عن سلسلة رتب ورواتب اليوم يُدار بقدرٍ فاضح من النفاق السياسي. فالسلطة نفسها التي استخدمت التوظيف العشوائي وسيلة انتخابية، والتي فتحت أبواب الدولة بلا معايير ولا حاجة فعلية، هي التي ترفع الآن شعار “عدم القدرة على التمويل”. وكأن الموظف الذي يتقاضى راتبًا لا يكفي ثمن تنقله هو سبب الإفلاس، لا منظومة الزبائنية التي حكمت التوظيف، والترقية، والتكليف، والتعاقد لعقود.
المسؤولية هنا واضحة ومباشرة. فـمجلس الوزراء أخفق في وضع أي سياسة أجور عادلة أو مستدامة، وتعامل مع القطاع العام كملف مؤجل لا كأولوية سيادية. ووزارة المالية حوّلت الأجور إلى أرقام محاسبية جامدة، منزوعة من بعدها الاجتماعي والوظيفي، فيما مارس مجلس النواب دوره التشريعي بمنطق التسويات الشعبوية، فأقرّ توظيفات وانتفاخًا إداريًا بلا رقابة، ثم تهرّب من تحمّل كلفة النتائج.
أما جوهر الأزمة، فيكمن في أن السياسة لم تتدخل لإصلاح القطاع العام، بل لتخريبه. فالوظيفة العامة استُخدمت مكافأة للولاء السياسي والطائفي، لا مساحة للكفاءة والخدمة. الإدارات جرى تقاسمها، لا تنظيمها. والسلسلة السابقة لم تكن سياسة أجور، بل تسوية سياسية أُقرت بلا إصلاح، وبلا إنتاجية، وبلا مساءلة، فكانت نتيجتها تضخمًا إضافيًا وانفجارًا مؤجلًا.
اليوم، يُعاد السيناريو نفسه: السلطة ترفض إصلاح الإدارة، لكنها تخشى انفجار الشارع؛ ترفض سلسلة شاملة، لكنها تقدم بدلات ومساعدات ظرفية؛ تلوّح بالإفلاس، لكنها لا تقترب من مكامن الهدر الحقيقي، ولا من شبكات الزبائنية التي ما زالت تتحكم بمفاصل الدولة.
الأكثر فجاجة هو استخدام “شروط الخارج” شماعة للهروب من المسؤولية. نعم، أي إصلاح جدي بات مرتبطًا بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، لكن الصندوق لم يفرض الزبائنية، ولم يفرض
التوظيف السياسي، ولم يفرض شلل الإدارة. هذه خيارات محلية بامتياز، وعلى من اتخذها أن يتحمّل كلفتها السياسية قبل المالية.
الدولة التي لا تحترم موظفها، لن يحترمها مواطنها، ولا تستحق أن تُنقذ.
فالمطالبة بسلسلة رتب ورواتب جديدة محقة اجتماعيًا، لكنها خطِرة ماليًا إن لم تُدرج ضمن خطة إصلاح شاملة. الإضراب ليس المشكلة، بل نتيجة طبيعية لدولةٍ لم تعد قادرة على حماية موظفيها ولا على مصارحة مواطنيها بكلفة الإنقاذ الحقيقي