تخطي إلى المحتوى
تحليل

ماذا عن صندوق النقد الدولي؟ بين شرط المصداقية وخطر تقنين الخسارة.

ماذا عن صندوق النقد الدولي؟  بين شرط المصداقية وخطر تقنين الخسارة.

لا يمكن مناقشة مشروع قانون الفجوة المالية بمعزل عن موقف صندوق النقد الدولي، سواء صرّح به علناً أو عبّر عنه ضمنياً في تقاريره وملاحظاته التقنية. فالصندوق، في أي برنامج دعم، لا ينظر إلى الأرقام فقط، بل إلى الفلسفة التي تحكمها: هل هناك اعتراف شفاف بالخسائر؟ هل جرى توزيعها وفق تراتبية قانونية عادلة؟ وهل أُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والنظام المالي على أساس المساءلة لا التسوية؟

المشكلة أن مشروع قانون الفجوة، كما هو مطروح في صِيَغه المتداولة، لا يبدأ من تحديد المسؤوليات، بل من إدارة النتائج. وهذه نقطة جوهرية في نظر الصندوق.

الصندوق لا يمول الغموض، في تجارب دول أخرى، كان الشرط الأول لأي اتفاق مع صندوق النقد هو توحيد الأرقام والاعتراف الصريح بحجم الخسائر. لا تمويل فوق أرقام متضاربة. لا برنامج فوق إنكار. لا إعادة رسملة فوق ميزانيات غير شفافة. إذا جاء قانون الفجوة ليقنن توزيعاً سياسياً للخسائر من دون:

• تحديد واضح لحجم الفجوة النهائي،

• تدقيق كامل في ميزانيات مصرف لبنان والمصارف،

• تحميل المساهمين والإدارات الجزء الأول من الخسارة،

• مساهمة سيادية محددة المصدر والحدود،

فسيُقرأ ذلك في واشنطن على أنه محاولة لإغلاق الملف داخلياً قبل حسمه محاسبياً.

والصندوق لا يوقّع على ملفات مغلقة سياسياً ومفتوحة مالياً.

العدالة التراتبية شرط لا تفصيل. في منطق صندوق النقد، هناك تراتبية واضحة لتحمل الخسائر: المساهمون أولاً، ثم حملة أدوات رأس المال، ثم كبار الدائنين، وأخيراً، وبأضيق الحدود الممكنة، المودعون. إذا بدا أن قانون الفجوة يقفز فوق هذه التراتبية أو يميّعها باسم "توزيع الأعباء"، فإن ذلك لن يُقنع الصندوق بأنه مسار إصلاحي، بل تسوية داخلية تهدف إلى تقليل الكلفة السياسية على أهل القرار.

الصندوق قد يقبل بخسائر، لكنه لا يقبل بغياب المسؤولية.

تحميل مصرف لبنان يعتبر إشارة سلبية؟ أي صيغة تُحمّل مصرف لبنان التزامات ضخمة طويلة الأجل من دون إعادة هيكلة واضحة لميزانيته، ومن دون معالجة صريحة لعلاقته المالية مع الدولة، ستُعتبر تمديداً للأزمة لا حلاً لها. الصندوق يدرك أن المصرف المركزي ليس خزنة منفصلة عن الدولة. وأن ترحيل الخسائر إلى ميزانيته هو في النهاية ترحيل سيادي مقنّع. وإذا بدا أن القانون يستخدم المصرف المركزي كوسادة لتخفيف الضغط عن الدولة والمصارف، فإن ذلك سيُترجم تشدداً أكبر في شروط البرنامج، لا مرونة.

بين الواقعية السياسية والصدقية الدولية. قد يقول البعض إن مشروع القانون هو “أفضل الممكن” في التوازنات الداخلية. لكن السؤال الذي سيطرحه الصندوق مختلف: هل هذا أفضل الممكن اقتصادياً ومالياً؟ أم أفضل الممكن سياسياً للمنظومة؟ هناك فرق كبير بين:

• قانون يواجه الحقيقة ويعيد بناء الثقة،

• وقانون ينظم الخسارة ويطلب تمويلاً خارجياً فوقها.

الصندوق لا يمول تسويات أخلاقية غامضة. هو يمول برامج ذات صدقية مؤسساتية.