تخطي إلى المحتوى
تحليل

الذهب امام منعطف تاريخي : هل يتصدع عرش الدولار وتبدأ موجة صعود جديدة

 الذهب امام منعطف تاريخي : هل يتصدع عرش الدولار وتبدأ موجة صعود جديدة

أرى أن الذهب عند مستوى 4317 دولارًا للأونصة يمر حاليًا بمرحلة مهمة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها انعكاسًا هبوطيًا كاملًا، بل باعتبارها موجة تصحيح وجني أرباح وإعادة تموضع بعد الارتفاع القوي الذي شهدته الأسعار خلال الفترة الأخيرة.

ومن وجهة نظري، فإن الهبوط الحالي يخدم السوق أكثر مما يضرها، لأنه يسمح بخروج جزء من المراكز قصيرة الأجل التي دخلت بعد الصعود السريع، ويعيد بناء قاعدة أكثر توازنًا يمكن أن ينطلق منها الذهب في حال عودة التدفقات الاستثمارية والشرائية. وقد شهد الذهب بالفعل تراجعًا بعد وصوله إلى مستويات مرتفعة قرب 4500 دولار، وسط عمليات جني أرباح، وهو ما يتوافق مع طبيعة الحركة الحالية.

ومن منظور أساسي، ما زلت أرى أن الصورة الأكبر للذهب تميل إلى الإيجابية، لكن الطريق لن يكون مستقيمًا. بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة جاءت بما يتماشى مع التوقعات، في وقت بدأت فيه سوق العمل تُظهر بعض علامات الضعف، وهو ما خفف من الضغوط باتجاه تشديد السياسة النقدية. كما أن البيانات الأخيرة لم تمنح الاحتياطي الفيدرالي مبررًا قويًا للتوجه نحو رفع جديد للفائدة، بينما تشير توقعات السوق إلى حساسية متزايدة تجاه أي بيانات اقتصادية قد تدفع العوائد والدولار إلى الانخفاض. وهذا مهم جدًا بالنسبة للذهب، لأن انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالأصل غير المدر للعائد يمثل عامل دعم أساسي له.

وفي تقديري، فإن بيانات الإنفاق والاستهلاك الأمريكية ستكون من أهم مفاتيح الحركة خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على الدولار، وإنما لأنها ستساعد الأسواق على تحديد مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل مستويات الفائدة الحالية.

فإذا بدأت البيانات الاقتصادية تميل إلى التباطؤ دون عودة قوية للتضخم، فإن ذلك قد يعزز سيناريو تثبيت الفائدة ثم الانتقال تدريجيًا إلى سياسة أكثر مرونة، وهو سيناريو أراه داعمًا للذهب على المدى المتوسط. أما إذا جاءت البيانات أقوى بكثير من المتوقع، فقد نشهد ارتفاعًا مؤقتًا في الدولار والعوائد، وبالتالي مزيدًا من الضغط على الذهب قبل أن يعاود المستثمرون تقييم الصورة الأساسية.

لكن العامل الذي يجعلني أكثر تفاؤلًا بالذهب يتجاوز قصة الفائدة الأمريكية وحدها. نحن أمام تحول تدريجي في طريقة إدارة الاحتياطيات العالمية. فمسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 أظهر أن 74% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع انخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما ترى نسبة كبيرة منها أن حصة الذهب ستزداد. كما أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون استمرار ارتفاع حيازات البنوك المركزية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.

وهنا تحديدًا أرى أن قصة الذهب أصبحت أكثر عمقًا من مجرد التحوط من التضخم أو المراهنة على خفض الفائدة. الذهب يتحول بصورة متزايدة إلى أداة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل واحد، خصوصًا مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية والمالية المرتبطة بالدولار وسوق الخزانة الأمريكية.

والمادة التي أعتمد عليها في هذا التحليل تطرح تساؤلات مهمة حول مدى مرونة استخدام الاحتياطيات الدولارية، وتربط ذلك باحتمال تسارع تنويع الاحتياطيات باتجاه الذهب. وأنا لا أتعامل مع هذه المخاوف باعتبارها دليلًا على انهيار وشيك للدولار، بل باعتبارها عاملًا هيكليًا قد يرفع الطلب على الذهب تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.

كما أن استمرار مشتريات البنوك المركزية يمثل بالنسبة لي أحد أقوى عناصر الدعم طويل الأجل. الصين، على سبيل المثال، واصلت زيادة احتياطياتها من الذهب للشهر الخامس على التوالي في يوليو، في إشارة إلى استمرار استراتيجية تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار. وهذا النوع من الطلب يختلف عن طلب المضاربين؛ فالبنك المركزي لا يشتري الذهب بهدف تحقيق مكسب سريع من حركة يوم أو أسبوع، وإنما كجزء من إدارة استراتيجية للاحتياطيات. لذلك أعتقد أن أي تصحيح عميق نسبيًا قد يعيد جذب المشترين الذين ينظرون إلى الذهب من منظور طويل الأجل.

وخلاصة رؤيتي أن الذهب لا يزال يعيش قصة صعود أساسية، لكنه يحتاج إلى تصحيح صحي بعد الاندفاعة الأخيرة. لذلك لا أرى أن هبوط السعر إلى 4317 دولارًا يمثل نهاية الاتجاه، بل أراه في الوقت الحالي جزءًا من عملية إعادة توازن وجمع سيولة وجني أرباح.

فالعوامل التي صنعت الموجة الصاعدة لم تختفِ: توقعات السياسة النقدية الأكثر مرونة، احتمالات ضعف الدولار، الطلب المتزايد من البنوك المركزية، وتوجه عالمي متزايد نحو تنويع الاحتياطيات. ولذلك أميل إلى اعتبار مناطق الهبوط القادمة مناطق اختبار للطلب أكثر من كونها دليلًا على انتهاء السوق الصاعدة، مع ضرورة انتظار تأكيد سعري واضح قبل استئناف مراكز الشراء. وبالنسبة لي، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الذهب يستطيع الصعود مجددًا، وإنما من أي مستوى سيبدأ الموجة التالية، وما إذا كان هذا التصحيح سيمنح المستثمرين فرصة أخيرة للتمركز قبل عودة الزخم.