يتحرك زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأميركي (GBP/USD) في مرحلة تبدو مفصلية، بعدما اصطدم بمزيج من الضغوط الاقتصادية البريطانية وقوة الدولار الأميركي المدعومة بإعادة تسعير توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وبرأيي، فإن ما نشهده حاليًا ليس مجرد تراجع فني عابر، بل انعكاس واضح لتغير ميزان القوى بين الاقتصادين البريطاني والأميركي، في وقت أصبحت فيه الأسواق أكثر حساسية تجاه أي بيانات اقتصادية تعيد رسم مسار أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام. لذلك، فإن تحركات الزوج في الأيام المقبلة ستعتمد بدرجة أكبر على العوامل الأساسية أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يجعل المستويات الفنية الحالية ذات أهمية استثنائية.
وأولى الإشارات السلبية جاءت من المملكة المتحدة بعد المراجعة الهبوطية لبيانات الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي، والتي أظهرت أن الاقتصاد البريطاني نما بنسبة 0.9% فقط مقارنة بالتقدير السابق البالغ 1.1%. ورغم بقاء النمو الفصلي عند 0.6%، فإن خفض القراءة السنوية يحمل رسالة مهمة مفادها أن الزخم الاقتصادي ليس بالقوة التي كانت تتوقعها الأسواق قبل أسابيع. ومن وجهة نظري، فإن المستثمرين لا ينظرون فقط إلى الأرقام الحالية، بل إلى الاتجاه المستقبلي للنمو، وهو ما يفسر تراجع شهية المخاطرة تجاه الجنيه الإسترليني بمجرد صدور هذه المراجعة.
ورغم أن قطاع الخدمات واصل قيادة النمو، إلى جانب مساهمة قطاعي التصنيع والبناء، فإن تراجع الدخل الحقيقي المتاح للأسر البريطانية بنسبة 0.8% خلال الربع الأول يمثل إشارة مقلقة لا يمكن تجاهلها. فالإنفاق الاستهلاكي يظل المحرك الرئيسي للاقتصاد البريطاني، وأي ضعف في القوة الشرائية قد ينعكس تدريجيًا على النشاط الاقتصادي خلال الأرباع المقبلة. لذلك، أعتقد أن الأسواق ستبدأ في إعادة تقييم قدرة الاقتصاد البريطاني على الحفاظ على وتيرة النمو الحالية، خاصة إذا استمرت الضغوط المعيشية أو تباطأت وتيرة تحسن الدخول الحقيقية.
إلى جانب العوامل الاقتصادية، يضيف المشهد السياسي البريطاني قدرًا إضافيًا من عدم اليقين. فالتوقعات المتعلقة بقيادة الحكومة المقبلة، وترقب الأسواق لأولويات السياسة المالية، يدفعان المستثمرين إلى تبني موقف أكثر تحفظًا تجاه الأصول البريطانية. وبرأيي، فإن أسواق العملات لا تحب الفراغ السياسي، وحتى مع استمرار الالتزام بقواعد الانضباط المالي، فإن غياب رؤية واضحة بشأن السياسات الاقتصادية المستقبلية سيبقي الجنيه الإسترليني عرضة للتقلبات، خصوصًا في ظل المنافسة مع دولار يحظى بدعم قوي من الاقتصاد الأميركي.
وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تقدم صورة أكثر قوة وتماسكًا. فالدولار الأميركي يستفيد من استمرار متانة البيانات الاقتصادية، ومن اقتناع الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يتسرع في تخفيف السياسة النقدية. بل إن بعض التوقعات بدأت تعيد تسعير احتمالات رفع إضافي للفائدة إذا استمر الاقتصاد الأميركي في إظهار هذه المرونة. ومن وجهة نظري، فإن هذا العامل هو المحرك الأهم لاتجاه زوج GBP/USD خلال الفترة الحالية، لأن الفارق في توقعات أسعار الفائدة بين بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي يميل بشكل متزايد لصالح الدولار.
كما أن بيانات سوق العمل الأميركية ، سواء تقرير فرص العمل JOLTS والتي جاءت أقوى من المتوقع وأضعف من السابق أو تقرير الوظائف غير الزراعية، ستكون نقطة تحول رئيسية. فإذا جاءت هذه البيانات أقوى من التوقعات، فمن المرجح أن تعزز التوقعات على استمرار تشدد الفيدرالي، وهو ما سيدعم الدولار ويفرض ضغوطًا إضافية على الجنيه الإسترليني. أما إذا أظهرت البيانات تباطؤًا واضحًا في سوق العمل، فقد نشهد عمليات جني أرباح على الدولار تسمح للزوج باستعادة جزء من خسائره. ومع ذلك، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن أي تراجع للدولار سيكون محدودًا ما لم تظهر سلسلة متتالية من البيانات الضعيفة.
لذا أرى أن الأسواق تمر بمرحلة إعادة تسعير شاملة، حيث أصبحت البيانات الاقتصادية صاحبة الكلمة الأولى في تحديد اتجاه العملات، بينما تراجع تأثير التصريحات الرسمية مقارنة بما كان عليه في الأشهر الماضية. لذلك، فإن المتداولين سيواصلون مراقبة كل قراءة اقتصادية باعتبارها مؤشرًا مباشرًا على مستقبل أسعار الفائدة، وهو ما يعني أن تقلبات زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار ستظل مرتفعة خلال الفترة المقبلة.
وعلى المستوى السعري، أعتقد أن منطقة 1.3250 تمثل مستوى نفسيًا وفنيًا بالغ الأهمية، لكن بعد فقدانها أصبحت تمثل مقاومة رئيسية أكثر من كونها دعمًا. وإذا فشل الزوج في استعادة التداول أعلى هذا المستوى، فإن الضغوط البيعية قد تتزايد تدريجيًا مع استهداف مستويات أدنى، خاصة إذا جاءت البيانات الأميركية داعمة للدولار. وفي المقابل، فإن العودة والإغلاق المستقر فوق 1.3250 قد تعيد الثقة للمشترين وتفتح المجال أمام محاولة اختبار منطقة 1.3300 ثم 1.3350، إلا أن هذا السيناريو يتطلب تراجعًا واضحًا في قوة الدولار أو تحسنًا ملموسًا في البيانات البريطانية.
وفي تقديري، لا يزال الاتجاه العام يميل لصالح الدولار الأميركي على المدى القصير، ليس بسبب ضعف الجنيه الإسترليني وحده، وإنما نتيجة استمرار تفوق الاقتصاد الأميركي في مؤشرات النمو والتوظيف والسياسة النقدية. ولذلك، فإن أي ارتدادات صعودية للجنيه قد تبقى محدودة ما لم تتغير هذه المعطيات الأساسية. كما أن الأسواق ستظل شديدة الحساسية لأي مفاجآت في بيانات التضخم أو الوظائف الأميركية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في توقعات الفيدرالي.
وفي الختام، أرى أن الجنيه الإسترليني يقف أمام اختبار حقيقي خلال الأيام المقبلة، حيث يتزامن تباطؤ النمو البريطاني مع قوة الدولار المدعومة بتوقعات استمرار التشدد النقدي في الولايات المتحدة. وإذا استمرت البيانات الأميركية في التفوق على نظيرتها البريطانية، فمن المرجح أن يبقى الضغط قائمًا على زوج GBP/USD مع زيادة احتمالات امتداد الهبوط. أما إذا بدأت المؤشرات الاقتصادية الأمريكية في فقدان زخمها، فقد يستعيد الجنيه جزءًا من خسائره، لكن ذلك سيظل مشروطًا بعودة الثقة في الاقتصاد البريطاني وتحسن توقعات النمو. وحتى يتحقق هذا السيناريو، فإنني أرجح استمرار هيمنة الدولار على تحركات الزوج، مع بقاء أي صعود للجنيه في إطار تصحيحات مؤقتة أكثر من كونه بداية لاتجاه صاعد جديد.